ابن الجوزي

277

صفة الصفوة

إبراهيم بن شيبان قال : سمعت أبا عبد اللّه المغربي يقول : أفضل الأعمال عمارة الأوقات في الموافقات . وقال : أعظم الناس ذلّا فقير داهن غنيّا وتواضع له . أسند أبو عبد اللّه المغربي الحديث عن عمرو بن أبي غيلان وتوفي على جبل الطّور في سنة تسع وتسعين ، وقيل تسع وسبعين ومائتين ، وأوصى أن يدفن إلى جانب أستاذه عليّ بن رزين . وعاش كل واحد منهما عشرين ومائة سنة . فهما على جبل الطّور . وكان المغربي أستاذ إبراهيم الخوّاص . ذكر المصطفين من عباد المغرب المجهولي الأسماء 859 - عابد سعيد بن عثمان قال : سمعت ذا النون قال : بينا أنا سائر في بلاد المغرب إذا أنا برجل على عريش من البلّوط وعنده عين ماء تجري فأقمت عليه يوما وليلة أريد أن أسمع كلامه . فأشرف عليّ بوجهه ، فسمعته يقول : شهد قلبي للّه بالنّوازل ، وكيف لا يشهد قلبي بذلك ؟ هيهات هيهات لقد خاب لديك المقصّرون ، سيدي ما أحلى ذكرك ، أليس قصدك مؤمّلوك فنالوا ما أمّلوا ، وجدت لهم بالزيادة على ما طلبوا ؟ فقلت له : يا حبيبي إني مقيم عليك منذ يوم وليلة أريد أن أسمع من كلامك . فقال لي : قد رأيتك يا بطّال حين أقبلت ، ولكن ما ذهب روعك من قلبي إلى الآن . فقلت له : ولم ذلك ؟ وما الذي أفزعك مني فقال : بطالتك يوم عملك ، وتركك الزاد ليوم معادك ، ومقامك على المظنون . فقلت له : يا حبيبي ما ها هنا فتية تستأنس بهم ، فقال : بلى ، ها هنا فتية متفرّقون في رؤوس الجبال . قلت : فما طعامهم في هذا المكان ؟ قال : أكلهم الفلق من خبز البلّوط ، ولباسهم الخرق من الثياب ، قد يئسوا من الدنيا ويئست الدنيا منهم ، أعطوا المجهود من أنفسهم ، فلما دبرت المفاصل من الركوع وقرحت الجباه من السجود وتغيرت الألوان من السفر ضجّوا إلى اللّه عزّ وجل بالاستغاثة .